سيد محمد طنطاوي
463
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قدر ، لأجل إكرام أمة ذات قدر ، هذه الأمة يزداد قدرها وثوابها عند اللَّه - تعالى - إذا ما أحيوا تلك الليلة بالعبادات والطاعات . ويصح أن يكون المراد بالقدر هنا : التقدير ، لأن اللَّه - تعالى - يقدر فيها ما يشاء تقديره لعباده ، إلا أن القول الأول أظهر ، لأن قوله - سبحانه - بعد ذلك : * ( وما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) * يفيد التعظيم والتفخيم . أي : إنا ابتدأنا بقدرتنا وحكمتنا ، إنزال هذا القرآن العظيم ، على رسولنا محمد صلى اللَّه عليه وسلم في ليلة القدر ، التي لها ما لها عندنا من قدر وشرف وعظم . . لأن للطاعات فيها قدرا كبيرا ، وثوابا جزيلا . وليلة القدر هذه هي الليلة التي قال اللَّه - تعالى - في شأنها في سورة الدخان : إِنَّا أَنْزَلْناه فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ . فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ . رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وهذه الليلة هي من ليالي شهر رمضان ، بدليل قوله - تعالى - : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيه الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى والْفُرْقانِ . قال بعض العلماء : ومن تسديد ترتيب المصحف ، أن سورة القدر وضعت عقب سورة العلق ، مع أنها أقل عدد آيات من سورة البينة وسور بعدها ، وكأن ذلك إيماء إلى أن الضمير في * ( أَنْزَلْناه ) * يعود إلى القرآن ، الذي ابتدئ نزوله بسورة العلق . « 1 » . وقال صاحب الكشاف : عظم - سبحانه - القرآن من ثلاثة أوجه : أحدها : أن أسند إنزاله اليه ، وجعله مختصا به دون غيره . والثاني : أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر ، شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه ، والثالث : الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه . روى أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، وأملاه جبريل على السفرة ثم كان ينزل به على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة . وعن الشعبي : المعنى : أنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر . . . « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( وما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) * تنويه آخر بشرف هذه الليلة ، وتفخيم لشأنها ، حتى لكأن عظمتها أكبر من أن تحيط بها الكلمات والألفاظ . أي : وما الذي يدريك بمقدار عظمتها وعلو قدرها ، إن الذي يعلم مقدار شرفها هو اللَّه
--> ( 1 ) تفسير التحرير والتنوير ج 30 ص 456 للشيخ ابن عاشور - رحمه اللَّه - . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 780 .